19 - يونيو - 2013 م
الأربعاء 10 شعبان 1434 هـ
حر الصيف وتذكيره بعذاب النار       محمد.. محرر الإنسان والزمان والمكان       الأسلمة والعلمنة في الدستور التونسي الجديد       الفرعون والصراع الطبقي.. من الدولة القائدة إلى الدولة التابعة       سيد قطب في ظلال الربيع العربي       حين تقطر الأحرف دما       الهدية بين الزوجين       حوار مع ناشط أحوازي        في صحبة مالك بن نبي       النكبة بعيون من عاشوها      
هل تدعو في كل صلاة لإخوانك في سوريا الذين يذبحون ليل نهار
::استبيانات سابقة::
أرسل لصديق
* اكتب اسمك
* البريد الإلكتروني لصديقك
تعليق
* حقول ضرورية
الصفحة الرئيسة الصفحة الرئيسية كتاب للقراءة

زاد الخطيب

الكاتب: أ/ أدهم صلاح الدين

        شَهِدَتْ
السَّنوات الأخيرة نشاطًا كبيرًا مِن جانب العديد من مراكز البحوث والعلماء وجهاتٌ أخرى في العالم العربيِّ والإسلاميِّ في مجال التَّأصيل الشَّرعيِّ لمختلف الجوانب المُتعلِّقة بالقضيَّة الفلسطينيَّة، بعد أنْ طَغَتْ العديد مِن الصُّور الإعلاميَّة والخلفيَّات السِّياسيَّة على الصُّورة العامَّة للقضيَّة والصِّراع مع إسرائيل بشكلٍ عامٍّ، وقناعات الجماهير في العالم العربيِّ والإسلاميِّ في شأنها، وتمَّ تحييد البعد الدِّينيِّ للقضيَّة وفي الصِّراع، بما ترتَّب عليه إقصاء العمق الإسلاميِّ مِن معادلة القوَّة ضد إسرائيل المدعومة من قوى الغرب الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

        وفي حقيقة الأمر؛ فإنَّ مسألة التَّأصيل الشَّرعيِّ للقضايا والملفَّات المرتبطة بصُلب القضيَّة الفلسطينيَّة والصِّراع مع الكيان الصُّهيونيِّ الغاصب؛ إنَّما هي مُتعدِّدةٌ ومُتنوعةٌ في طبيعتها، ما بين الكثير مِن الأبواب، مثل تأصيل تاريخ فلسطين، منذ أنْ سكنتها شعوب وسط وشرق المُتوسِّط وقبائل يبوس وكنعان العربيَّة قبل الميلاد بأربعة آلاف عامٍ، وحتى الآن، وأدلَّة أنَّ الوجودَ اليهوديَّ فيها إنَّما كان وجودًا عابرًا في التَّاريخ الفلسطينيِّ.

        كذلك هناك القضايا المتعلِّقة بمكانة فلسطين وخصوصًا القدس في الإسلام وفي تاريخ المسلمين، وأهمِّيَّتها في عقيدة كلِّ مسلمٍ، وخصوصًا ارتباطها بحدث الإسراء والمعراج بالنَّبيِّ "صلَّى الله عليه وسلَّم"، وكونها تضمُّ الأقصى؛ قبلة المسلمين الأولى، وكيف تناولها القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة الشَّريفة، والواجبات التي تطرحها هذه هذه المكانة وهذه القُدُسيَّة على المسلمين في مختلف الأماكن وفي مختلف مواقع العمل، دعاةٌ، معلمون ومُربُّون، إعلاميُّون، مثقفون، وغير ذلك، لنصرة الأقصى وفلسطين.

        يُضاف إلى ذلك مختلف الجوانب الشَّرعيَّة المُتعلِّقة بالعلاقات بين المسلمين واليهود في هذه المرحلة من تاريخ الأُمَّة في ظلِّ احتلالهم لفلسطين، وموقف علماء الأُمَّة مِن العديد مِن العديد من مُستجدَّات القضيَّة، مثل قرار الكونجرس الأمريكيِّ في التِّسعينيَّات الماضية بنقل السَّفارة الأمريكيَّة لدى إسرائيل إلى القدس، وكذلك التَّأصيلُ الشَّرعيُّ للجهاد في فلسطين، وتحريم التَّنازُل على أيِّ شبرٍ مِن أرض فلسطين لليهود.

        وفي هذا الإطار كَثُرَتْ مثل هذه الأدبيَّات التي تتناول هذه القضايا بالشَّرح والتَّحليل، وتحاول أنْ تستنهض هِمم المسلمين للعمل الجادِّ من أجل استعادة أرض الإسراء والمعراج من بين أيدي اليهود الغاصبين، إلا أنَّ هذه الأدبيات تظلُّ متناثرةٌ في الكتب والمواقع، وكثيرٌ منها كاد أنْ يُفْقَدَ بسبب تقادمه وعدم وجود جهدٍ توثيقيٍّ لجمعه، وخصوصًا الفتاوى القديمة التي صَدَرَتْ في بدايات عقود القضيَّة الفلسطينيَّة، والتي تحرِّم تمامًا التَّعامُل مع اليهود المُحتلِّين بأيِّ شكلٍ من الأشكال، وتحرِّم بشكلٍ كاملٍ فكرة بيع أراضي فلسطين لهم.

        ولذلك كان مِن الأهمِّيَّة بمكانٍ العمل على القيام بجهدٍ توثيقيٍّ لجمع أهم ما أخرجته قرائح العلماء والباحثين في عالمنا العربيِّ والإسلاميِّ وتبويبه، بحيث يكون مَرْجِعًا للدُّعاة والباحثين الآخرين العاملين في هذا المجال، للعودة إليه عند الحاجة، وكذلك تكوين صورةٍ أكثر شموليَّةٍ حول معنى القول بأنَّ القضيَّة الفلسطينيَّة إنَّما هي قضيَّةٌ المسلمين الأولى.

        ومن بين هذه الأدبيَّات  كتاب "زاد الخطيب إلى تحرير الأقصى الحبيب" الذي صدرت طبعته الورقيَّة الثَّالثة عن مركز الإعلام العربيِّ بالقاهرة في منتصف العام 2010م، والذي كان المركز قد أصدره ضمن سلسلة "دراسات فلسطينيَّة"، الكتاب الرابع فيها، والذي يحتوي بين دفَّتَيْه على ما يقرب من خمسة وسبعين مادَّةٍ ما بين بحثٍ سياسيٍّ وشرعيٍّ وفتوى تغطِّي مُختلف الجوانب المُتعلِّقة بالقضيَّة الفلسطينيَّة، تاريخيًّا وسياسيًّا وشرعيًّا، وغير ذلك.

        وينقسم الكتاب، الذي تمَّ تزويده في بدايته بثبتٍ مصوَّرٍ وجغرافيٍّ لفلسطين والقدس المسجد الأقصى، إلى ثمانية فصولٍ أو أبوابَ أساسيَّةٍ، تمَّ في كلٍّ منها وضع أهم ما كتبه علماء وباحثي المسلمين في المجال الذي يُعنى به الفصل أو الباب.

        ومن
بين أبرز الأقلام التي شاركت في الكتاب؛ من علماء المسلمين الإمام الأكبر الدُّكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الجامع الأزهر الرَّاحل، والعلامة الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتِّحاد العالميِّ لعلماء المسلمين، والشَّيْخ عكرمة صبري خطيب المسجد الأقصى، والشَّيْخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلاميَّة في فلسطين 48، والعلامة الدُّكتور سلمان بن فهد العودة، والعلامة الشَّيْخ مُحَمَّد صفوت نور الدِّين، والدُّكتور عجيل جاسم النشمي، ومن المُفكِّرين الدُّكتور مُحَمَّد عمارة، والمؤرِّخ الدُّكتور عبد الحليم عويس، ومن الباحثين الدكتور مُحَمَّد مُحسن صالح مدير مركز "الزيتونة" للدِّراسات في بيروت.

        الفصل الأوَّل بعنوان "بحوثٌ ودراساتٌ"، وتضمَّن أربعة دراساتٍ أساسيَّةٍ، تناولَتْ تاريخ فلسطين من وجهات النَّظر الأنثروبولوجيَّة والإسلاميَّة، ومُنذ فجر تاريخ فلسطين وحتى وقتنا الرَّاهن، مع رسالةٍ لكلِّ العرب والمسلمين بأنَّه مِن الضَّروريِّ العمل بشتَّى الوسائل لاستعادة حقوقِ العربِ والمسلمين المسلوبة في فلسطين.

        ومن بين الدِّراسات الواردة في هذا الفصل، دراسةٌ للدُّكتور محسن محمد صالح، مدير مركز "الزيتونة" للدِّراسات، بعنوان "فلسطين عبر التَّاريخ" تناول فيها معالم تاريخ فلسطين مُنذ القِدَم، والأدلَّة التَّاريخيَّة المُوثَّقة التي تثبتُ أنَّ اليهودَ لم يكن وجودهم في فلسطين إلا وجودًا تاريخيًّا عابرًا، وأنَّه لا يصلح للاستناد عليه في أيَّة دعاوى تطلقها إسرائيل في الوقت الرَّاهن عن أيَّة حقوقٍ لها في فلسطين.

        وفي دراسةٌ أخرى للمؤرِّخ الإسلاميِّ الدُّكتور عبد الحليم عويس، يشرح عويس مكانة القدس وفلسطين عند المسلمين، وذلك مِن وجهةِ نظرٍ تاريخيَّةٍ من حيث ارتباطها بعدٍ من كبار الحوادث في تاريخ الأنبياء وبعد البعثة المُحَمَّديَّة، مثل واقعة الإسراء والمعراج، والفتح العربيِّ الإسلاميِّ لها.

        ولقد عضَّدت الرِّسالة المقصودة مِن جانب عويس في دراسته هذه، دراسةٌ أخرى للدُّكتور محمد عمارة بعنوان "القدس أمانة عمر في انتظار صلاح الدِّين"، أكَّدَت على الهُويَّة التَّاريخيَّة للقدس وفلسطين، من خلال استعراض مرحلة الفتح الإسلاميِّ وحروب المسلمين لاسترداد بيت المقدس من بين أيدي الغزاة
الصَّليبيِّين، والمطلوب في هذه المرحلة من جانب المسلمين لتكرار النَّموذج الصَّلاحيِّ في عصرنا الحالي.

        الفصل الثَّاني بعنوان "قضيَّة المسلمين"، وتضمَّن خمسة دراساتٍ ومقالاتٍ أساسيَةً، سعت إلى تأصيل البعد الدِّينيِّ في القضيَّة الفلسطينيَّة، وتأكيد فكرة أنَّها قضيَّة المسلمين الأولى، وأسباب ذلك، وخصوصًا ما يتصلُ بها من مناحٍ عقيديَّةٍ، مع مُناقشة عددٍ من القضايا السِّياسيَّة المرتبطة بالقضيَّة الفلسطينيَّة من وجهةٍ تقول بضرورة قيام المسلمين بما عليهم مِن واجباتٍ إزائها.

        ويستهل هذا الفصل دراسةٌ للدُّكتور يوسف القرضاوي حول القدس في اعتقاد المسلمين، وخُطبةُ جمعةٍ للشَّيْخ يوسف جمعة سلامة عن ارتباط المسلمين بالقدس، وعرضَتْ كلتاهما قيمة القدس ومكانتها وأهمِّيَّتِها لدى المسلمين، وأسباب ذلك، باعتبارها أرض الإسراء والمعراج، والأرض التي شهِدَتْ نزول الرِّسالات ومرور الأنبياء، وتضمُّ بين جنباتها قبلة المسلمين الأولى وثالث الحرمَيْن وقبور الكثير من الصَّحابة الكِرام.

        كما ورد في هذا الفصل خطبةٌ أو محاضرةٌ للعلامة السَّعوديِّ الدُّكتور علي بن عمر بادحدح حول قضيَّة الحصار على قطاع غزَّة، والجوانب الإسلاميَّة فيها، ودلالاتها في شأن حالة التَّراجُع الحالية للأمة الإسلاميَّة، سواءٌ لجهة اجتراء إسرائيل على فرض الحصار على بقعةٍ من أرض المسلمين أو لجهة العجز عن اتِّخاذِ قرارٍ موحَّدٍ لرفع الحصار عن القطاع، والمطلوب من الأُمَّة بإزاء هذه المشكلة ذات الطَّابع الإنسانيِّ والسِّياسيِّ.

        الفصل الثَّالث بعنوان "فضائل القدس والأقصى"، وتضمَّن ثلاثة عشرة دراسةٍ ومقالٍ أساسيَّةٍ، تناولت في محتواها العام تفصيلاً للعموميَّات التي ورَدَتْ في الدِّراسات السَّابقة عن قيمة القدس والأقصى في العقيدة والتَّاريخ الإسلاميَّيْن، ومن بينها دراساتٌ للقرضاوي والشَّيْخ رائد صلاح والشَّيْخ عكرمة صبري، والشيخ مُحَمَّد بن صالح العثيمَيْن، والشَّيْخ أحمد القطَّان، وغيرهم من علماء ومفكِّري الأُمَّة.

        وتمحورت هذه الدِّراسات والمقالات حول مكانة القدس وذكر الأقصى وفلسطين بشكلٍ عامٍّ في القرآن الكريم والسُّنَّة النبويَّة المُطهَّرة، وتوصيف القرآن والسُّنَّة لها، باعتبارها
الأرض التي بارك الله تعالى فيها، وباعتبارها أرض الإسراء وأرض الرِّباط، وتصوُّر هؤلاء العلماء الأجلاء لكيفيَّة استعادة القدس الأسيرة من بين أيدي المُحتلِّين اليهود.

        وفي مقالته، التي جاءت بعنوان "عمارة بيوت الله"، ركَّز الشيخ عكرمة صبري خطيب المسجد الأقصى على أهمِّيَّة فكرة الرِّباط في المسجد الأقصى مِن أجل إفشال مُخططات المستوطنين اليهود في القدس الشَّرقيَّة وسلطات الاحتلال من أجل اقتحام ساحات الحرم القدسيِّ الشَّريف مِن أجل أداء طقوسهم الدِّينيَّة المحرفة في باحاته، وإثبات وجودهم في المدينة المُقدَّسة.

        الفصل الرَّابع بعنوان "مُؤامرات اليهود على القدس وفلسطين"، وجاء في عشرة موضوعاتٍ أساسيَّةٍ، بأقلام الشَّيْخ عبد الرَّحمن السِّديس والشَّيْخ عكرمة صبري والشَّيخ يوسف القرضاوي والشَّيْخ محمد حسين يعقوب والدُّكتور عائض القرنيِّ، وغيرهم من علماء ومفكرين عربٍ ومسلمين.

        ولقد وضع غالبيَّة هؤلاء العلماء والمفكرين كتاباتهم تلك على وقع انتفاضة الأقصى الثَّانية التي اندلعت في سبتمبر من العام 2000م، والتي كان سببها الأساسيِّ تدنيس زعيم المعارضة الِّليكوديَّة في ذلك الحين أرييل شارون لباحة المسجد الأقصى، ولذلك طغت الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل لقمع الانتفاضة على الكتابات التي وردت في هذا الفصل.

        كذلك نَحَتَ إلى انتقاد حالة الصَّمت والخذلان الرَّسميِّ والشَّعبيِّ الموجودة في العالم العربيِّ والإسلاميِّ للفلسطينيِّين في مُواجهتهم من أجل الأقصى وباقي المُقدَّسات مع الآلة الحربيَّة الإسرائيليَّة، وطالبت الجمهور في العالم العربيِّ والإسلاميِّ بمواجهة الإجرام الصُّهيونيِّ بحقِّ البشر والحجر في فلسطين، واستنقاذ القدس مِن موجة التَّهويد العارمة التي تقوم بها إسرائيل وتُهدِّد هويَّة المدينة ومقدساتها.

        وثمَّة موضوعٍ لافتٍ ورد في هذا الفصل للشَّيْخ عكرمة صبري خطيب المسجد الأقصى، كان بعنوان "بين مطرقة اليهود والسِّندان الأمريكيِّ"؛ حيث لامس فيه صبري قضيَّة الدَّعم الأمريكيِّ المتواصل لإسرائيل في مختلف المجالات، في مقابل مظاهر العجز العربيِّ
والإسلاميِّ عن دعم الفلسطينيِّين.

        الفصل الخامس بعنوان "مُناسباتٌ وأيَّامٌ مقدسيَّةٌ"، وجاء فيه خمسةُ موضوعاتٍ رئيسيَّةٍ عَرَضَتْ لعددٍ مِن المُناسبات والأيَّام المرتبطة بالمسجد الأقصى والقدس في عقيدتنا الإسلاميَّة وفي التَّاريخ الإسلاميِّ القديم والمعاصر، والدُّروس والعِبَرُ المستفادة منها، ومن بينها واقعة الإسراء والمعراج، وكذلك تحويل القبلة، وصولاً إلى حريق المسجد الأقصى على يد يهوديٍّ مُتطرِّفٍ في العام 1969م.

        ولقد سَعَتْ الموضوعات الخمس التي وَرَدَتْ في هذا الفصل إلى القَوْلِ برسالتَيْن أساسيَّتَيْن؛ الأولى هي قداسة المكان وتاريخه لدى المسلمين، والثَّانية هو أنَّ هذه القداسة والتَّحديات التي تحيط بالمسجد الأقصى منذ الاحتلال الإسرائيليِّ للقدس الشَّرقيَّة في العام 1967م توجب على المسلمين العمل على استرداد المسجد قبل هدمه وإقامة الهيكل الثَّالث المزعوم على أنقاضه، كما يخطط اليهود لذلك.

        الفصل السَّادس بعنوان "الواجبات والأدوار"، وجاء فيه عشرون موضوعٍ أساسيٍّ، ويعتبر من الفصول الأهم في الكتاب؛ حيث عرض لمختلف الواجبات التي يُفْرَضُ على المسلمين القيام بها على مختلف المستويات، مع عرض لنماذج مِن التَّاريخ الإسلاميِّ، لكيف قامت قيادات المسلمين قديمًا بما عليهم من واجباتٍ في حشد الصُّفوف وتهيئة أرض المعركة لمواجهة العدو، أيًّا كان.

        وفي الإطار عرض الدُّكتور القرضاوي في مقالٍ له نموذج نور الدِّين محمود، عم صلاح الدِّين الأيوبيِّ، والذي بدأ البداية الأولى لمواجهة الوجود العسكريِّ والسِّياسيِّ الصَّليبيِّ في فلسطين والمشرق الإسلاميِّ بعد الحملة الصَّليبيَّة الأولى.

        ومن خلال هذه الخبرات التَّاريخيَّة وَضَعَ العلامة الدُّكتور جمال عبد الهادي عددًا مِن النِّقاط العمليَّة مِن أجل النُّصرة، ومن بينها الفعل الإيجابيِّ والحركة على مختلف المستويات من أجل نصرة الفلسطينيِّين والمرابطين في المسجد الأقصى، والإنفاق في سبيل اللهِ، والإبقاء على القضيَّة
الفلسطينيَّة في نفوس كلِّ المسلمين مِن خلال النَّشاط المدرسيِّ والمنبريِّ والإعلاميِّ، وتنوير الجمهور بحقائق القضيَّة، وإزالة الالتباس الحاصل في صفوف الجماهير في شأن حقيقة العدو الذي يواجهه المسلمين.

        ومن بين الموضوعات والخُطَب العمليَّة المُهِمَّة التي وَرَدَتْ في هذا الفصل؛ خُطبتان منبريَّتان للدَّاعية المصريِّ الشَّيْخ مُحَمَّد صفوت نور الدِّين رئيس جمعيَّة أنصار السُّنَّة المحمديَّة الرَّاحل، بعنوان "تحرير الأقصى مسئوليَّة مَن؟" (1) و(2)، وفيه وضع الشَّيْخ نور الدِّين رحمة الله عليه العديد مِن الأُطُر العمليَّة للمواجهة، ومن بينها إعادة الاعتبار لمفاهيم الجهاد لدى الأُمَّة الإسلاميَّة، وأنَّ مسئوليَّة تحرير الأقصة تقع على عاتق الحاكم والمحكوم معًا، وأنَّه لا يجب على أيِّ طرفٍ التَّنصُّل من واجباته في هذه المسألة.

        كما يضع نور الدِّين في خُطبتَيْه مجموعةً مِن الأمور العمليَّة المطلوبة في هذا المُقام، ومن بينها ضرورة توافر صفات الإيمان والصَّبر والثَّبات وصدق القول والعزيمة في العمل لدى المسلمين، وكذلك تربية النشء والجيل الجديد مِن شباب المسلمين على هذه القيم وإبقاء القضيَّة حيَّةً في نفوس الشباب، والالتزام الكامل بقواعد العلم والإيمان في كلِّ شئون الإنسان، من أجل إعداد العُدَّة لمواجهة العدو القابع في فلسطين والقدس السَّليبة.

        الفصل السَّابع بعنوان "فتاوىً ودراساتٌ شرعيَّةٌ"، وجاء فيه ثلاثةً عشرَ موضوعٍ رئيسيٍّ، تضمَّنَتْ النصوص الكاملة لعددٍ مِن الفتاوى الشَّرعيَّة التي صَدَرَتْ عن بعض العلماء والجهات في العالم العربيِّ والإسلاميِّ حول فلسطين وحقوق الفلسطينيِّين والمسلمين فيها، والعلاقات مع اليهود وغير ذلك من الأبواب والقضايا التي تطلَّبَ الأمر عرض وجهة نظر الشَّريعة الإسلاميَّة فيها.

        ومن بين هذه الفتاوى فتوى للشَّيْخ عكرمة صبري بعدم جواز الحصول على تعويضات مقابل أراضي المقدسيِّين والفلسطينيِّين بشكلٍ عامٍّ التي تستولي عليها إسرائيل، وكذلك عددٌ من الفتاوى المماثلة لعددٍ من علماء المسلمين قديمًا وحديثًا بتحريم بيع الأراضي لليهود أو التَّنازُل عن أيِّ شبرٍ من أراضي فلسطين، ومن بينها فتاوى ظهرت
في فترة ما قبل العام 1948م، ووقَّع عليها شيخ الأزهر في ذلك الحين الشَّيْخ محمد مأمون الشِّنَّاوي ومفتي الديار المصريَّة الشَّيْخ محمد حسنين مخلوف، وحديثًا للدُّكتور يُوسُفَ القرضاوي رئيس الاتِّحاد العالميِّ لعلماء المسلمين.

        كذلك جاءت بعض الفتاوى التي تشير إلى أنَّ السِّيادة على القدس وفلسطين؛ إسلاميَّةٌ، ولا يجوز التَّنازُلُ عنها بأيِّ شكلٍ مِن الأشكال، وكذلك تحريم قبول التَّعويض والتَّنازُل عن حقِّ العودة للاجئين الفلسطينيِّين، وكلتاهما للجنة علماء الشَّريعة الإسلاميَّة في حزب جبهة العمل الإسلاميِّ الأردنيِّ.

        بالإضافة إلى هذه المواقف العامَة ورد في هذا الفصل بعض الفتاوى والمواقف الشَّرعيَّة من قضايا عمليَّةٍ وسياسيَّةٍ، مثل فتوى وزارة الأوقاف والشُّئون الإسلاميَّة الأردنيَّة التي رفضت فيه قرار الكونجرس الأمريكيِّ بنقل سفارة الولايات المتحدة لدى الكيان الصُّهيونيِّ إلى القدس، ورؤية شرعيَّة تأصيليَّة حول الجهاد ووجوبه في فلسطين للعلامة محمد أحمد الرَّاشِد، وكذلك فتوى للشَّيْخ محمد بن إبراهيم آل الشَّيْخ بجواز قتل الأسير لنفسه لتفادي إفشاء أسرار المجاهدين مِن زملائه تحت التَّعذيب.

        كما ورد في هذا الفصل فتوى مُفصَّلة أصدرتها شبكة المقاطعة الشَّعبيَّة في الأردن حول مقاطعة البضائع الأمريكيَّة والإسرائيليَّة، وحكم الشَّرع في معاهدات السَّلام مع اليهود والهدنة معهم للدُّكتور سلمان بن فهد العودة.

        أمَّا الفصل الثَّامن من الكتاب، فقد كان عبارة عن مجموعةٍ من الملاحق، من بينها أربعةُ عشرَ عملاً أدبيًّا حول فلسطين والقدس من شعر الأدباء العرب، لاستنهاض همم الجمهور العام في العالم العربيِّ والإسلاميِّ في المعركة القائمة حاليًا حول الدِّين والتَّاريخ في فلسطين، من بينها قصيدة "شهداؤنا بين المقابر يهمسون" للشَّاعر والكاتب فاروق جويدة، وقصيدة "عابرون في كلامٍ عابرٍ" للشَّاعر الفلسطينيِّ الرَّاحل محمود درويش، وقصيدة "فلسطين" لمحمود حسن إسماعيل، وأخرى بذات العنوان لعلي محمود طه، وكلاهما مِن رموز المدرسة الرومانسيَّة الجديدة في الشِّعر العربيِّ الحديث.


        وختم الكتاب ملاحقه بعددٍ من الأقوال لعلماء وساسة الأُمَّة ورموز الفكر الإسلاميِّ حول القدس وفلسطين ومكانة الأقصى في نفسِ كلِّ مسلمٍ، ومن بينهم الإمام الشهيد حسن البنَّا والشهيد سيِّد قُطب والدُّكتور يوسف القرضاوي والحاجة زينب الغزالي والشَّهيد أحمد ياسين والعلامة جاسم بن مُهْلَهل الياسين،  مع ثبتٍ تاريخيٍّ متكاملٍ لأهم الأحداث التي مرَّتْ بالقدس وفلسطين، كدليلٍ مرجعيٍّ لعلماء الأُمَّة يستندون فيه إلى مناسباتٍ بعينها في كتاباتهم ونشاطهم المنبريِّ والحركيِّ.

        والكتاب في المُجْمَلِ العام عبارة عن دليلٍ مرجعيٍّ متكاملٍ للدُّعاة المسلمين، يحوي كل ما يلزمهم لأداء رسالتهم في شأن القدس وفلسطين، بما في ذلك الفتاوى والأحداث التَّاريخيَّة الواجب عليهم ترسيخها في ذهنيَّة النشء الجديد.
==========

أضف تعليقاً
* الإسم
* البريد الإلكتروني
* عنوان التعليق
* التعليق
* سؤال حسابي 9 + 9
* حقول ضرورية

الليلة الثالثة والعشرون الشيخ عبد الله الجهني والشيخ ماهر المعيقلي
الحلقة (319 ) الآية 20 – سورة المائدة.
الحلقة ( 1 ) تفسير سورة الفاتحة الجزء الاول
الحلقة ( 216 ) من الآية 80 إلي الآية 81 – سورة النساء
الحلقة ( 346 ) من الآية 55 إلي الآية 56 – سورة المائدة
الحلقة ( 249 ) تابع من الآية 105 إلي الآية 107 – سورة النساء
الحلقة ( 41 ) من الآية 264 إلي الآية 266 – سورة البقرة
الحلقة ( 116 ) من الآية 178 إلي الآية 179 – سورة آل عمران
الحلقة ( 238 ) تابع الآية 100 – سورة النساء
الحلقة ( 119 ) من الآية 183 إلي الآية 184 – سورة آل عمران
رمضان - 1426هـ أكتوبر 2005 م
ما يكتب أو ينشر يعبر فقط عن رأي الكاتب وليس علي الموقع أدني مسئولية قانونية