22 - مايو - 2013 م
الأربعاء 12 رجب 1434 هـ
سيد قطب في ظلال الربيع العربي       حين تقطر الأحرف دما       الهدية بين الزوجين       حوار مع ناشط أحوازي        في صحبة مالك بن نبي       النكبة بعيون من عاشوها       أمل الأمة       ضعف الثقة عند الابناء وعلاجه       لماذا نحفظ القرآن الكريم؟       حديث القرآن عن الفساد والمفسدين      
هل تدعو في كل صلاة لإخوانك في سوريا الذين يذبحون ليل نهار
::استبيانات سابقة::
أرسل لصديق
* اكتب اسمك
* البريد الإلكتروني لصديقك
تعليق
* حقول ضرورية
الصفحة الرئيسة التاريخ عصر الأمويين

الفتوحات والعلاقات في عهد معاوية

الكاتب: د./ علي محمد الصلابي
الفتوحات في عهد معاوية -رضي الله عنه-
        نريد أن نسجل حركة الانسياح الإسلامي في الأرض التي تمت في عهد بني أمية منذ عهد معاوية -رضي الله- لندحض كل وهم بأن الإسلام قد انتهى بعد عهد الخلفاء الراشدين، فحركة الفتح الإسلامي التي قامت في عهد الخلافة الراشدة وبني أمية ليست مجرد توسع في الأرض، ولا يجوز النظر إليها بهذا الاعتبار، إنما هي حركة أكبر حركة هداية للناس في التاريخ وأكبر حركة إخراج للناس من الظلمات إلى النور، وقد يبدو هذا الكلام في حس المثقفين لأول وهلة مجرد تشابه مع دعوى كل دولة عظمى أنها نشرت الحضارة في الأرض، وأن حركتها التوسعية كانت من أجل نشر تلك الحضارة.

        فلننظر إذن في تاريخ الإمبراطوريات في القديم والحديث: الإمبراطورية الفرعونية، والإمبراطورية الأشورية، الإمبراطورية الفينيقية، والرومانية، والفارسية، والهندية، والصينية، والبريطانية، والفرنسية، والأمريكية، والروسية،... إلى آخر تلك الإمبراطوريات الجاهلية التي يعج بها تاريخ الأرض، كيف قامت أولاً؟ وما نشرت في الأرض؟ فأما قيامها على التسلط بالقوة، وقهر الآخرين وإذلالهم، وإخضاعهم لسيطرة الدولة الأم، وتحويلهم خدمًا لتلك الدولة الأم، يمدونهم بالرجال المقاتلين، ويمدونهم بمختلف الخيرات، لتنتفش هي وتشبع وتتخم على حساب الجائعين المقهورين الأذلاء، فهذا أمر لا يحتمل المراء.

        وأما الذي نشرته في الأرض فلا شك أنها نشرت بعض الخير، إلى جانبه كثيرًا من الفساد؛ لأن حياتها هي ذاتها وهي لا تهتدي بمنهج رباني لا تشتمل إلا على بعض الخير والكثير من الفساد، وكل إناء ينضح بما فيه، وفاقد الشيء لا يعطيه، وأما الحضارة الغربية اليوم، ففظائع الاستعمار الذي صاحب تلك الحضارة من احتلال أراضي الشعوب، ونهب خيراتها وإذلال أهلها خير شاهد على فسادها، كما أن آخر إفرازات هذه الحضارة الذي يسمى النظام العالمي الجديد، إن هو إلا نوع جديد من الطغيان تمارسه الدول القوية على الدول الضعيفة، ومن أبرز مآثره التخطيط للتحكم في الدول المنتجة للبترول لحساب الدول الغربية القوية المتحكمة، وذلك باستنزاف هذا البترول في مدة أقصر، وطرحه في الأسواق بسعر أقل، لكي تزداد الدول الطاغية غنى ويزداد الفقراء فقرًا وذلاً وضياعًا باسم النظام العالمي الجديد.

        ومآثره كذلك إمداد إسرائيل بكل وسائل العدوان وحرمان الدول العربية من إمكانية صد العدوان، وأما أصحاب الرسالات السماوية السابقة من اليهود والنصارى فماذا نشروا في الأرض؟ فأما اليهود فقد حولوا دينهم إلى عصبية خاصة ببني إسرائيل، لا يحبون نشره في الأرض لكي يبقى الإله خالصاً لهم لا يشاركهم فيه أحد من الناس، وأما النصارى فمنذ بولس وهم يسعون إلى نشر دينهم على نطاق واسع فأي شيء نشروه؟

        لقد نشروا باديء ذي بدء دينًا وثنيًا بدلاً من الدين الرباني الذي أنزله الله على عيسى بن مريم. دينًا يعبد فيه عيسى وروح القدس جبريل -عليه السلام- مع الله: قال تعالى:"لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ" [المائدة: 72]. وقال تعالى: "لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ" [المائدة: 73]. وقال تعالى: "مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ" [آل عمران: 79 ، 80].

        ونشروا دينًا يدعو إلى الرهبانية، وإهمال الحياة الدنيا، واحتقار الجسد ودوافعه، فنشأ عنه تعطيل دفعة الحياة وإهمال عمارة الأرض، ثم نشأ عنه رد فعل أسوأ: إنكباب على لذائذ الجسد وماديات الحياة ، قال تعالى: "وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ" [الحديد: 27]، ونشأ مع ذلك الدين نظام كهنوتي يتمثل في الكنسية ورجالها على رأسهم البابا يمارس ألوانًا من الطغيان البشع في جميع نواحي الحياة، ويعادي الفكر ويحجر على العقل، ويضطهد العلماء ويمنعهم من البحث العلمي التجريبي أو النظري، فتأخرت الحياة في كل جانب، ثم حدث رد فعلٍ أسوأ، تمثل في الإلحاد وإقامة الحياة على مبعدة من الدين، بل في عداء مع الدين، وهكذا تحولت رسالة السماء على يد الكنيسة إلي غير ما نزلت من أجله، ونشرت الفساد بدلاً من الإصلاح، سواء في الفترة التي كانت تمارس سلطانها على الناس، أو في الفترة انقلب فيها الناس على سلطانهم ورفضوا الخضوع للدين.

        وفي مقابل ذلك كان الإنسياح الإسلامي في الأرض فريدًا في التاريخ، شيئًا غير التوسعالإمبراطوري الذي مارسته الجاهليات القديمة والحديثة، وغير الطغيان المفسد الذي مارسته النصرانية المحرفة وهي تتوسع في الأرض، في تلك الحركة الفريدة في التاريخ كان المسلمون ينشرون الهدى في مكان الضلال، والنور في مكان الظلام، والعبودية الصحيحة في مكان العبوديات الزائفة للحكام والكهنة والأوثان، ويحررون المستعبدين في الأرض، ويردون إليهم إنسانيتهم الضائعة، ويرفعونهم إلى المكان اللائق بالإنسان وكانوا ينشرون قيماً من العدل والأخوة والتسامح والتكافل لا عهد للبشرية بها من قبل ولا رأتها من بعد في غير الإسلام، وينشرون حضارة حقيقة شاملة شامخة، لا يستأثرون بها لأنفسهم، بل يفتحون أبوابها لكل مسلم في الأرض، بل يستظل بظلها النصارى في الأندلس وشرق أوربا، واليهود في مختلف بلاد العالم الإسلامي، والوثنيون عباد البقر في الهند، وكل من أراد أن يتعلم أو يمارس الحياة دون عدوان.

        لم ينهب المسلمون خيرات البلاد المفتوحة، ولم يستذلوها ليتمتعوا بالسلطان، ولم يحافظوا عليها متأخرة متدينة ليبرروا استمرار سيادتهم عليها واستعلاءهم على أهلها... إنما دعوهم أولاً إلى الخير وهو الإسلام ـ فإن استجابوا فهم إخوة في الدين.. وإن أبوا طلبوا منهم جزية تدل على عدم مقاومتهم للخير المنزل من السماء أن يصل إلى قلوب الناس صافياً بلا غش، فإن أبوا هذا وذاك فعندئذ يقع القتال، لا لإكراه أحد على اعتناق الإسلام، إنما لإزالة مراكز القوى التي تمنع الحق أن يصل إلى الناس على حقيقته.. فإذا أزيلت مراكز الطغيان، وزال تأثيرها على النفوس، ترك الناس أحراراً في ظل الإسلام، يعتنقون ما يشاءون.

        إن حركة الفتح الإسلامي: دوافعها وخصائصها، وآثاره الواقعة لهي فصل أساسي في كتابة التاريخ الإسلامي، لابد أن يعالج باستفاضة لدحض مزاعم المستشرقين ومن يتتلمذ عليهم من بعض المؤرخين العرب وغيرهم.. وإن كنا نورده هنا من زاوية معينة: هي دلالتها على مدى عمق الوجود الإسلامي في نفوس الأمة التي تتحرك به، ولن تتحرك به أمة هذه الحركة الواسعة السريعة الفعالة المؤثرة وهي نفسها خاوية منه أو غير ممتلئة به حتى أعماقها.

        وأول ما يسقط من دعاوي المغرضين في هذا الشأن ـ لفرط هشاشته ـ قول من قال إن الدوافع الاقتصادية هي التي دفعت حركة الفتح الإسلامي! إن الذي تحركة الدوافع الاقتصادية لا يخرج ليدعوا الناس ـ أول ما يدعوهم ـ إلى الإسلام، فإن أسلموا ألقى سلاحه وعانقهم كما يعانق الأخ أخاه، وأخذ يعلمهم تعاليم الإسلام ليشاركوه في الخير الرباني الذي هداه الله إليه؛ فأصحاب هؤلاء الفرية يفترون الكذب على التاريخ ، وتسقط الدعاوى الأخرى تباعاً وتبقى حقيقة مهمة هي أن هذه الحركة لا يمكن أن تأخذ صورتها التي أخذتها بالفعل، إلا أن تكون صادرة عن أمة ممتلئة بهذا الدين حتى أعماقها، حريصة عليه، مؤمنة به، راغبة فيه، راغبة في نشره في آفاق الأرض، فالقوة وحدها لا تفسر ما حدث في هذه الحركة من العجائب، فكم استخدمت القوى الطاغية في الأرض قوتها للتوسع في الأرض، فلم تصنع ما صنعته الحركة الإسلامية.

        إن السيف يمكن أن يفتح الأرض، ولكنه لا يفتح القلوب، والذي حدث في حركة الفتح الإسلامي لم يكن مجرد التوسع في الأرض، إنما كان فتح القلوب لتعتنق الإسلام، وكان ـ في كثير من الأقطار اتخاذ لغة الدين لغة رسمية، ونسيان الشعوب المفتوحة ما كانت تستعمله من قبل من اللغات، حتى الذين بقوا على دينهم بغير إكراه لو لم يكن الفاتحون مسلمين حقاً، بمعنى الإيمان بهذا، وممارسته في عالم الواقع والتمكن منه عقيدة وسلكًا وحركة، ما حدثت هذه العجائب في الفتح الإسلامي وأمر آخر يتعلق بهذه القوة ذاتها إنها في غالب الأحيان لم تكن هي الأكبر عددًا وعدة وخبرة حربية... إنما كان العدد والعدة والخبرة في الجانب الآخر، جانب الذين انهزموا أمام قوة المسلمين، فلو لم يكن هناك عنصر آخر غير مادي ـ في جانب الفاتحين ما تمكنوا من التغلب على أعدائهم الذين يفوقونهم في فنون الحرب، كما يفوقونهم في العدد والعدة سواء، ذلك العنصر هو العقيدة الحية التي تملأ القلوب وهذه هي الدلالة التي نركز عليها هنا في وجه الدعاوي التي تقول إن انحرافات بني أمية قضت على هذا الدين وهو بعد في المهد وتلك نقطة ينبغي أن نقف عندها طويلاً حتى نقومها في نفوس الدارسين، ينبغي أن نلغي من حسهم ذلك الإيحاء الخبيث بأن الإسلام قد انتهى بعد الخلافة الراشدة ولم يعد له وجود، ويكون ذلك بعرض الواقع الإسلامي بأمانة كاملة ودقة كذلك.

        وسيتبين لنا بالحساب، حساب مجموع الانحرافات ومجموع الاستقامات أن الحصيلة المتبقية ضخمة جداً رغم وجود الانحراف. ويكون هذا بالتالي فرصة سانحة لتقدير عظمة هذا الدين وضخامته، وأصالة جذوره في التربة وتعمقها، بحيث تبقى هذه الحصيلة الضخمة وتبقى تلك الحيوية، التي تسعى لنشر الدين في الأرض بكل الإصرار والتدفق والحماسة التي قام بها المسلمون في العهد الأموي بالذات.

        وأما ما حدث من الهبوط عن مستوى الذروة فقد حدث ولا شك على درجات متفاوتة في بعض أفراد المجتمع، أو قل إن شئت في كثير منهم، وهذا لا يعتبر في ذاته انحرافًا إنما هو الأمر المتوقع بعد غياب شخص الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك المجتمع، وبعد زوال أثر النشأة الجديدة من نفوس الناس، فنحن الآن لسنا في العهد الذي شهد التحول العظيم من الجاهلية إلى الإسلام، إنما العصر الذي يليه، ولكن فلنذكر جيدًا تزكية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لذلك الجيل من الناس: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".

        فنحن إذن ما زلنا مع القرون المفضلة، وليس بعد شهادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شهادة بشر، صحيح أننا الآن مع المستوى العادي للإسلام، ولكنا ـ ذلك المستوى رفيع في ذاته، وإن لم يكن على مستوى الذروة التي وصل إليها الجيل الفريد، وأنه يحقق للناس من الخير حين يلتزمون به ما لا يحققه نظام آخر، والحق أنه قد بقي في مجتمع بني أمية أفراد على المستوى الرائع، بل لم يخل جيل من أجيال المسلمين كلها ـ حتى في عصور الانحطاط ـ من نماذج متفرقة على ذلك المستوى الرفيع، إنما الملحوظة أن كثافة تلك النماذج في مجتمع الذروة كانت فذة بصورة غير عادية، ثم ظلت تخف تدريجيًا مع مرور الزمان.

        إن استئناف حركة الجهاد في عهد معاوية لم يكن بدعة على سياسته، فقد استمد كثيرًا من الشهرة العريضة والمكانة العريضة من كفايته كوال على بلاد الشام وهي جبهة واسعة من جبهات الجهاد، ومن شهرته كمجاهد موفق في البر والبحر منذ عهد أبي بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم-، وكان له فتوحاته الكبرى في الساحل الشمالي للشام، كما أن له الفضل ـ بعد الله ـ في تأسيس البحرية الإسلامية وهزيمة الروم في البحر وانتزاع السيادة منهم لأول مرة في تاريخ المسلمين؛ فالجهاد في سبيل الله أصل في حياة المسلمين في عهد الدولة الأموية، ولم تكن الغنائم هي الدافع للقيادة الإسلامية الرئيسي نحو الفتح والجهاد، وإن وجد لدى بعض الأفراد، وهؤلاء لا يخلو منهم جيش حتى على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "منكم من يريد الدنيا ... " وغيرها، ولكن هذا بالطبع لا يمثل وجهة نظر المسلمين في فتوحاتهم، ولا يمثل القيادة الفكرية التي كان يتبناها الخليفة والقادة وينفذها الجند، كما أنه لا يمثل وجهة نظر الأمة ورأيها العام.

        ومما يدل على ذلك مشاركة كبار الصحابة في ذلك الوقت فيها وحثهم المسلمين على الجهاد في سبيل الله، وحوادث الجهاد وجهود الأمويين على جبهات القتال توضح ذلك: فجبهة الروم مثلاً وهي التي كانت مثار الشجاعة ومرتع البطولة ما كانت تدر الربح الكثير بل كان بيت المال يئن منها؛ لأن حملاتها ما كانت تنتهي إلى تقدم، خاصة إذا ذكرنا الحملات الثلاثة الكبرى التي توجهت إلى القسطنطينية وتكلفت نفقات باهظة.

        لقد أعطى المجاهدون المسلمون في العهد الأموي صورًا رائعة للتضحية والبطولة والتجرد وإخلاص النية لله في جهادهم، سواء كانوا من القادة أو الأمراء أو من عامة الجند، أو من جماعات العلماء والزاهدين والربانيين الذين فهموا عبادة الجهاد، ومارسوا ذلك على نحو مثير للإعجاب ودافع إلى التأسي.

        وقد توزعت صور الإخلاص والتضحية هذه على جميع جبهات القتال، وفي جميع مراحل الجهاد، مما يدل دلالة واضحة على عمق التوجه الإسلامي للفتوحات في العهد الأموي، وينفي الغبش الذي يثيره المنحرفون عن بني أمية على أنصع منجزاتهم وأحراها بالفخر والإعزاز.

        ومما شك فيه إسلامية الفتوح في العهد الأموي، وقد كانت الحصيلة النهائية والحصيلة التاريخية لحركة الفتوح لذلك العصر، امتداد عالم الإسلام إلى آفاق بعيدة وكسب ـ عبر امتداده هذا ـ الأرض والإنسان، كما أنه حمى وعزّز في الوقت نفسه منجزات الموجة الأولى في حركة الفتح التي قادها وخطط لها الخلفاء الراشدون، فالموجة الثانية لحركة الفتوح هي التي بدأت في عهد معاوية نفسه واستمرت فيما بعد لكي تبلغ أقصى اتساعها في عهد الوليد.

حركة الجهاد ضد الدولة البيزنطية:
        كان معاوية -رضي الله عنه- يرى أن الخطر الأكبر من وجهة نظره الدولة البيزنطية، وإن كانت قد خسرت أهم أقاليمها في الشرق ـ الشام ومصر ـ إلا أن جسم الدولة لا زال سليمًا لم يمس، فعاصمتها باقية، وممتلكاتها في آسيا الصغرى وأوربا وشمال إفريقيا لا زالت شاسعة وإمكانياتها كبيرة، وقدرتها على المقاومة هائلة، وهي لم تكف بعد عن مناوأة المسلمين، وباختصار فهي العدو الرئيسي والخطر الأكبر الماثل أمام المسلمين.

        وكان معاوية رجل المرحلة وقادر على فهم وتقدير هذا الخطر، وعلى مواجهته أيضًا؛ فقد كان موجودًا بالشام منذ مطلع الفتوحات في عهد أبي بكر الصديق، وأصبح واليًا عليه ولمدة عشرين سنة تقريبًا، وهو يشكل مع مصر خط المواجهة الرئيسي مع الدولة البيزنطية، فطول إقامة معاوية -رضي الله عنه- بالشام، أكسبته خبرة واسعة بأحوال البيزنطيين وسياستهم وأهدافهم؛ مما أعانه على أن يعرف كيف يتعامل معهم، لكل ذلك فليس غريبًا أن نرى معاوية يولي حدوده مع الدولة البيزنطية وعلاقاته معها جل اهتمامه، ويرسم لنفسه نحوها سياسة واضحة ثابتة سار عليها هو وخلفاؤه من الأمويين إلى نهاية دولتهم، وقد كان من أهدافه الرئيسة الاستيلاء على عاصمتهم القسطنطينية.

أولاً: معاوية والقسطنطينية:
        بعد أن استقر الأمر لمعاوية بن أبي سفيان سنة 41هـ خليفة للمسلمين باشر في تطوير الأسطول البحري ليكون قادرًا على دك معاقل القسطنطينية عاصمة الروم، ومبعث العدوان والخطر الدائم ضد المسلمين، فبعد أن قضى معاوية على حركات المردة أو الجراجمة الذين استخدمهم الروم وسيلة لرصد حركات الدولة الإسلامية ونقاط ضعفها، وإبلاغ الروم عنها، متخذين من مرتفعات طوروس وجبل اللكام مقرًا لهم، بدأ الخليفة نشاطه البحري بإرسال حملات بحرية استطلاعية منها حملة فضالة بن عبيد الأنصاري، للوقوف على تحركات الروم، وجلب المعلومات الدقيقة عنهم لمنعهم من استخدام جزر قبرص، وأرواد، ورودس ذوات الخدمة التعبوية والعسكرية في عملياتهم ضد الأسطول الإسلامي.

        وقد باشر أعماله الاستطلاعية بإحدى الشواتي وهي شاتية بسر بن أبي أرطأة في البحر عام 43هـ وأعقبها بشاتية مالك بن عبد الله بأرض الروم سنة 46هـ، وصائفة عبد الله بن قيس الفزاري بحرًا، وحملة عقبة بن عامر الجهني بأهل مصر في البحر سنة 48هـ، وصائفة بن عبد الله بن كرز البجلي، وحملة بن عبد الله بن يزيد بن شجر الرهاوي، وشاتيته بأهل الشام في سنة 49هـ ، وكان نظام الشواتي والصوائف مستمرًا.

        فقد وضع معاوية أمامه هدفًا واضحًا وهو محاولة الضغط على الدولة البيزنطية من خلال الضغط على عاصمتها القسطنطينية تمهيدًا للاستيلاء عليها، ولعل معاوية -رضي الله عنه- كان يرمي إلى إسقاط الدولة البيزنطية ذاتها بالاستيلاء على عاصمتها، فهو يعلم أن هذه العاصمة العتيدة هي مركز أعصاب الدولة ومستقر الأموال والرجال، وفيها العقول المفكرة، فإذا سقطت في يده فإن هذا سيؤدي إلى شلل كامل في الدولة كلها، وأمامه تجربة المسلمين مع الفرس، فبعد سقوط المدائن عاصمتهم في أيديهم أصابهم الارتباك ولاحقهم الفشل، ولم تقم لهم قائمة وزالت دولتهم، فإذا استطاع إسقاط عاصمة البيزنطيين فسيكون ذلك نذيرًا بإسقاط الدولة، ويستريح من خصم عنيد وعدو رئيسي، لذلك واصل ضغطه ومحاولاته لتحقيق هدفه.

        وليس من المبالغة القول إن الدولة البيزنطية ظلت على قيد الحياة مدة تقرب من ثمانية قرون، وهي مدينة ببقائها لعاصمتها القسطنطينية، فمناعة المدينة وصمودها أمام محولات الأمويين المستمرة لفتحها، حال دون ذلك، وبالتالي حال دون سقوط الدولة، والدليل على هذا أنه عندما استطاع السلطان العثماني محمد الفاتح فتح القسطنطينية والاستيلاء عليها في سنة 857هـ التاسع والعشرين من مايو سنة 1453م كان إيذانًا بسقوط الدولة البيزنطية وزوالها من الوجود .

ثانيًا: التخطيط الاستراتيجي للاستيلاء على القسطنطينية:
        حرص معاوية -رضي الله عنه- على أن يكون زمام المبادرة دائمًا في يده؛ لأنها هي التي تمد جزر شرق البحر المتوسط بالقوات والعتاد، وتشجع أهلها على شن الغارات على ساحل مصر والشام، وقد سار في تحقيق هذا الهدف في عدة اتجاهات:

أولاً: الاهتمام بدور صناعة السفن في مصر والشام، واختيار أمهر الصناع للعمل فيها والإغداق عليهم بالأجور والهبات حتى يبذلوا قصارى جهدهم بالعمل؛ فقد أدرك معاوية ـ رضي الله عنه ـ بحسه العسكري وفكره العبقري أن معارك المسلمين مع الروم، ستعتمد أساسًا على الأسطول البحري، وزاد هذا الإحساس عمقًا في قلب معاوية ونفسه تكتل الروم وإعدادهم أكثر من خمسمائة سفينة في معركة ذات الصواري لقهر الأسطول الإسلامي، ومع أن الروم باءوا بفشل ذريع في هذه المعركة، إلا أنهم لم يكفوا عن الإعداد ولم ينتهوا عن تجميع قواتهم لمواجهة قوة المسلمين في البحر، لقد كانوا يظنون أن قوة المسلمين البحرية يمكن القضاء عليها لأنها لا زالت في دور التكوين، ولكنهم فوجئوا بهزيمتهم المنكرة في ذات الصواري، فتوقعوا بعد ذلك أن تكون المعركة القادمة على أسوار العاصمة القسطنطينية فراحوا يستعدون لذلك.

        وقد أدى التعاون بين مصر والشام في صناعات السفن إلى الوصول إلى نتائج ممتازة؛ ففي الشام كانت تتوفر أخشاب الصنوبر القوي والبلوط والعرعر التي تصلح لبناء السفن، وفي مصر كانت توجد الأخشاب التي تصلح لعمل الصواري، وضلوع جوانب السفن، وخشب الجميز واللبخ والدوم التي تصلح لصناعة المجاديف ، وكذلك استغل معاوية معدن الحديد الذي كان متوافرًا في مصر والشام واليمن لعمل المسامير والمراسي والخطاطيف والفؤوس، كما كان يتوافر في مصر مادة القطران اللازمة لقلفطة السفن، ونبات الدقس الذي كانت تصنع منه الحبال، وباختصار... فقد أدى التعاون المصري الشامي إلى ازدهار البحرية الإسلامية التي ازدادت أهميتها بعد أن أمر معاوية عامله على مصر مسلمة بن مخلد الأنصاري ببناء دار لصناعة السفن في جزيرة الروضة عام 54هـ. وذلك على أثر غارة شنها البيزنطيون على مصر.

ثانيًا: تقوية الثغور البحرية في مصر والشام، فقد آثر أن يحصن المدن الساحلية ويزودها بالقوات المجاهدة بما يجعلها قواعد تنقل منها الجنود بحرًا إلى أي مكان يشاء ووضع لهذه المدن نظامًا عرف بالرباط، وهو ما يقصد به الأماكن التي تتجمع بها الجند والركبان استعدادًا للقيام بحملة على أرض العدو، واعتني بهذا النظام حتى أصبح جزءًا مرتبطًا أشد الارتباط بالجهاد، إذ اجتذب الرباط إليه كل الأتقياء المتحمسين العاملين على إعزاز الإسلام ونصرته، وتدرج معاوية -رضي الله عنه في تدعيم هذا النظام على نحو ما اتبعه في كل أعماله التي اتسمت بالدقة، والابتعاد عن الارتجال والاندفاع، فأعد الرباط لتكون حصونًا يتجمع فيها الجند للدفاع عن المناطق المعرضة لإغارات الأساطيل البيزنطية، ولتكون ملجأً يحتمي بها الأهالي في المناطق الساحلية بأن يأخذوا حذرهم إذا ما لاح خطر السفن البيزنطية في المياه الإقليمية، فكان الحصن في الرباط يضم حجرات للجند ومساكن لهم، ومخازن للأسلحة والمؤن، وبرج للمراقبة، ثم لم يلبث أن اتسع وازدادت أهميته حتى أصبح قاعدة للهجوم وشن الغارات.

        وتعتبر سياسة منح الإقطاعات بالسواحل الخطوة الأخيرة في سلم السياسة البحرية الدفاعية التي رسمها معاوية قبل أن يستطيع ركوب البحر في عهد عثمان، إذ أتم بفضل هذه الامتيازات إعداد القواعد البحرية التي أخذ ينشىء فيها أساطيله، وكانت آية ازدهار المدن الساحلية نقل جماعات من أهالي بعلبك وحمص وأنطاكية عام 42هـ إلى صور وعكا وغيرهما من المدن بسواحل الأردن، كذلك أصلح معاوية -رضي الله عنه- حصون هاتين المدينتين ولاسيما عكا التي خرج منها بأولى حملاته البحرية ضد قبرص، وبسط معاوية -رضي الله عنه- اهتمامه إلى سائر المدن الساحلية.

ثالثًا: الاستيلاء على الجزر الواقعة شرقي البحر المتوسط، وقد بدأ ذلك بالاستيلاء على جزيرة قبرص ـ كما سبق ذكره ـ ثم استولى جزيرة أخرى مهمة وهي رودس، وأمر ببناء حصن بها، وبعث إليها جماعة من المسلمين يتلون الدفاع عنها، وجعلها رباطًا يدفعون منه عن الشام، وآثر معاوية أن يحيط المسلمين في رودس بالجو الإسلامي الديني، ويعلي راية الإسلام بين أهاليها، فأرسل إليها فقيهًا يدعى مجاهد بن جبر يقرئ الناس القرآن.

        وأراد معاوية أن يتوج حملاته البحرية بغلق بحر إيجة وسد منافذه الرئيسية في وجه السفن البيزنطية، ومنعها من الوصول إلى بلاد المسلمين وعمل على تحقيق ذلك في الاستيلاء على جزيرة كريت، إذ تسيطر هذه الجزيرة تمامًا على بحر إيجة، الذي يشبه طرفه الجنوبي فوهة قربة تمتد جزيرة كريت عبرها، بامتدادها البالغ 160 ميلاً، وتقسم الجزيرة هذه فتحة إلى مدخلين يتحكم في كل منهما، وأرسل معاوية جنده الذي استولى على رودس لفتح هذه الجزيرة الهامة، ومنع الأساطيل البيزنطية من التسلل عبر الفتحات البحرية المتاخمة لها لمهاجمة الشام، على أن جنادة بن أمية الأزدي لم يستطع الاستيلاء على هذه الجزيرة لضخامتها، واكتفى بالإغارة عليها والبطش بالبيزنطيين وأساطيلهم بها.

        وهكذا وجه معاوية -رضي الله عنه- أنظار المسلمين شطر البحر الأبيض المتوسط، وأوقفهم على أهمية جزره؛ فاستولى على ما استطاعت أساطيله أن تفتحه منها، وطرق باب غيرها، ومهد الطريق لمن يأتي بعده من الخلفاء الأمويين، وكفل معاوية للمسلمين قوة بحرية نافست البيزنطيين أنفسهم سيادتهم القديمة على البحر الأبيض المتوسط، ثم أخذ يعبئها لأهم عمل في تاريخها، وهو ضرب عاصمة البيزنطيين أنفسهم والاستيلاء عليها، ولكن تريث معاوية في تحقيق الهدف الأخير حتى يمكن لنفسه من التفوق البحري على البيزنطية.

رابعًا: كان من الضروري لكي تؤتي هذه الاستعدادات البحرية، ثمارها وتحقق أهدافها أن يصاحبها تحصين أطراف الشام الشمالية، التي تشكل مناطق الحدود بين الدولتين الإسلامية والبيزنطية ضد غارات البيزنطيين من ناحية، ولتكون سندًا للقوات الزاحفة على القسطنطينية من ناحية ثانية؛ ذلك لأن المسلمين في فتوحاتهم الأولى في عهد الخلفاء الراشدين، وصلوا إلى أطراف الشام الشمالية، ثم وقفت أمامهم سلسلة جبال طوروس تحول دون وصولهم إلى آسيا الصغرى البيزنطية، وكان البيزنطيون عند انسحابهم وتقهقرهم أمام المسلمين قد قاموا بتخريب المناطق الواقعة شمال حلب وإنطاكيا لئلا يستفيد منها المسلمون، كما خربوا معظم الحصون فيما بين الأسكندرونة وطورسوس.

        فرأى معاوية ضرورة الاهتمام بهذه المناطق وتعميرها وتحصينها، فاهتم أولاً بمدينة أنطاكيا التي كانت معرضة دائمًا للإغارات البيزنطية المفاجئة، واتبع في تعميرها السياسة التي سار عليها إزاء المدن الساحلية للشام، وأغرى الناس على الإقامة بأنطاكيا، بأن منحهم إقطاعات من الأرض، وقوى الرباط المخصص للدفاع عنهم، وأخذ معاوية يوالي تدريجيًا تعمير المدن الواقعة بين الأسكندرونة وطرسوس أثناء غاراته على أراضي البيزنطيين حتى أصبحت حدود الشام تتاخم مباشرة جبال طوروس الحد الفاصل بين الشام وآسيا الصغرى، ولإحكام سيطرته على المعاقل الهامة الواقعة في مناطق التخوم الإسلامية البيزنطية، استولى على سميساط وملطية، كما جدد حصونًا أخرى مثل مرعش والحدث، ثم استولى على حصن زبطرة البيزنطي الهام وأعاد تحصينه.

        ولكي تكون الحركة مستمرة وتكون مناطق الحدود ميدانًا عمليًا لتدريب جند المسلمين، وتعويدهم على الدروب والطرق والممرات الجبلية الوعرة، دأب معاوية على الغزو المستمر، وأصبح هذا النشاط العسكري يعرف بغزوات الصوائف والشواتي، فلا تكاد تمر سنة وإلا ونجد ذكرًا عند الطبري وغيره لغزو في البر أو البحر كأن يقول: وفيها شتى فلان بأرض الروم أو كانت صائفة فلان إلى أرض الروم. وكانت هذه الغزوات تنطلق إلى بلاد الأعداء وتخرب تحصيناتهم وتغنم وتعود، وكان تكرار هذه الغزوات يشكل ضغطًا على الدولة البيزنطية ويرهق أعصابها وينهك قواها، وقد برز في هذه الحملات المستمرة عدد من كبار القادة المسلمين الذين تلقوا تدريباتهم في ميدانها وأتقنوا فن الحرب مثل عبد الله بن كرز البجلي، ويزيد بن شجرة الرهاوي، ومالك بن هبيرة السكوني، وجنادة بن أمية الأزدي، وسفيان بن عوف، وفضالة بن عبيد، ومالك بن عبد الله الخثعمي، الذين أطلقوا عليه مالك الصوائف لعلو كعبه في الميدان الحربي في آسيا الصغرى، وهؤلاء القادة أبلوا بلاءً حسنًا في الجهاد ضد البيزنطيين لإعلاء كلمة الله.

ثالثًا:الحصار الأول للقسطنطينية:
        بعث معاوية -رضي الله عنه- سنتي 47 ـ 48هـ سرايا من قواته لتغير على الأراضي البيزنطية لتمهد الطريق في سبيل الوصول إلى القسطنطينية، فتمكن مالك بن هبيرة السكوني من قضاء الشتاء في الأراضي البيزنطية، ولقد شهدت سنة 49هـ/669م أول حصار إسلامي لمدينة القسطنطينية، ذلك أن نجاح قوات المسلمين في توغلهم في الأراضي البيزنطية، بالإضافة إلى الصراعات الداخلية التي واجهها الإمبراطور قُسطانز الثاني نتيجة تمرد اثنين من قادته هما سيليوس وميزيريوس، كل ذلك ساعد معاوية -رضي الله عنه- على أن يبعث قواته في البر والبحر بقيادة كل من فضالة بن عبيد الليثي وسفيان بن عوف العامري يساعدهم يزيد بن شجرة الرهاوي تجاه القسطنطينية.

        ووصل الأسطول الإسلامي إلى خلقيدونيةـ ضاحية من ضواحي القسطنطينية على البر الآسيوي ـ وحاصرها توطئة لاقتحامها في محاولة لاختراق المدينة من تلك الناحية، ولكن انتشار مرض الجدري وفتكه بكثير من جند المسلمين، علاوة على حلول الشتاء القارص جعل ظروف الجيش المحاصر صعبة للغاية، فما كان من فضالة بن عبيد الليثي، قائد الجيش البري إلا أن استنجد بمعاوية طالبًا منه أن يمده بقوات إضافية، فأرسل معاوية -رضي الله عنه- مددًا من الجيش يضم بين أفراده مجموعة من الصحابة، أمثال: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبو أيوب خالد بن يزيد الأنصاري -رضي الله عنهم- وكان القائد العام لهذه الفرقة هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وعندما وصل يزيد بقواته إلى خلقيدونية انضم إلى الجيش المرابط هناك، وزحفوا جميعهم نحو القسطنطينية، وعسكروا خلف أسوارها ضاربين عليها الحصار حوالي ستة أشهر (من الربيع إلى الصيف) وكان يتخلل هذا الحصار اشتباكات بين قوات القوتين، وأبلى يزيد في هذا الحصار بلاءً حسنًا، وأظهر من دروب الشجاعة والنخوة والإقدام ما حمل المؤرخين على أن يلقبوه بـ"فتى العرب".

        وكادت القوات الإسلامية أن تحرز انتصارًا لولا أنه واجهوا صعوبات جمة منها: الشتاء الغزير المطر والبرد القارص؛ مما أدى إلى نقص الطعام والأغذية، وتفشي الأمراض بينهم، كما كان لمناعة أسوار القسطنطينية أثرها في تراجع المسلمين وإجبارهم مرة أخرى على العودة إلى بلاد الشام، كما كانت النار التي فتحها المتحصنون بها على جيش المسلمين من أهم الأسباب التي عوقت قدرتهم على فتحها، فقد أحرقت النار كثيرًا من سقى المسلمين، ويعد غزو القسطنطينية من دلائل النبوة حيث أخبر به نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- حيث قال:..." أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم"، وقد اشترك في غزو القسطنطينية عدد من كبراء الصحابة رضوان الله عليهم؛ طلبًا للمغفرة التي بشر بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

رابعًا: وفاة أبي أيوب الأنصاري في حصار القسطنطينية:
        هو خالد بن زيد بن كليب، أبو أيوب الأنصاري الخزرجي، شهد بدرًا والعقبة والمشاهد كلها، وشهد مع علي -رضي الله عنه- قتال الخوارج، وفي داره كان نزول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حين قدم المدينة مهاجرًا من مكة فأقام عنده شهرًا حتى بنى المسجد ومساكنه حوله، ثم تحوَّل إليها، وقد وفد أبو أيوب على عبد الله بن عباس عندما كان واليًا على البصرة في عهد علي، فبالغ في إكرامه، وقال لأجزينَّك على إنزالك النبي -صلى الله عليه وسلم- عندك، فوصله بكل ما في المنزل فبلغ ذلك أربعين ألفًا، وجاء في رواية لما أراد الانصراف خرج له عن كل شئ بها، وزاده تحفًا وخدمًا كثيرًا، وأعطاه أربعين ألفًا وأربعين عبدًا؛ إكرامًا له لما كان أنزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في داره، وقد كان من أكبر الشرف له.

        وهو القائل لزوجته أم أيوب حين قالت له: أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ ـ أي في حديث الإفك ـ فقال لها: أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ فقالت: لا والله. فقال: والله لهي خير منك، فأنزل الله" لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا" [النور: 12]. وقد آخى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أبي أيوب ومصعب بن عمير -رضي الله عنهما- صاحب الفتح السلمي الكبير بالمدينة المنورة.

        وكانت وفاته ببلاد الروم قريبًا من سور قسطنطينية، وكان في جيش يزيد بن معاوية، وإليه أوصى، وهو الذي صلى عليه. وقد جاء في رواية: أغزى أبو أيوب، فمرض، فقال: إذا متُّ فاحملوني، فإذا صافقتم العدوَّ، فارموني تحت أقدامكم. أما إني سأحدثكم بحديث سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة"، ودفن أبو أيوب عند سور القسطنطينية، وقالت الروم لمن دفنه: يا معشر العرب قد كان لكم الليلة شأن. قالوا: مات رجل من أكابر أصحاب نبينا، والله لئن نُبش، لأضُرِبَ بناقوس في بلاد العرب.

        وبعد مجيء الدولة العثمانية وفتح القسطنطينية أصبحت مكانة أبي أيوب الأنصاري عظيمة في الثقافة العثمانية؛ فقد درج السلاطين العثمانيون يوم يتربعون على الملك أن يقيموا حفلاً دينيًا في مسجد أبي أيوب، حيث يتقلدون سيفًا للرمز إلى السلطة، التي أفضت إليهم، وكان لأبي أيوب -رضي الله عنه- عند الترك خواصهم وعوامهم رتبة ولي الله الذي تهوي إليه القلوب المؤمنة، وينظرون إليه كونه مضيف رسول الله، فقد أكرمه وأعانه وقت العسرة، كما أنه له مكانة مرموقة بين المجاهدين، واعتبروها ضيافته لرسول الله وجهاده في سبيل الله أعظم مناقبه وأظهر مآثره.

        وقد ترك أبو أيوب -رضي الله عنه- في وصيته بأن يدفن في أقصى نقطة من أرض العدو صورة رائعة تدل على تعلقه بالجهاد، فيكون بين صفوفهم حتى وهو في نعشه على أعناقهم، وأراد أن يتوغل في أرض العدو حيًا وميتًا، وكأنما لم يكفه ما حقق في حياته، فتمنى مزيد عليه بعد مماته، وهذا ما لا غاية بعده في مفهوم المجاهد الحق بالمعنى الأصح الأدق.

        ومن الغريب ما نراه في حياتنا من حرص بعض المسلمين إذا مات خارج بلده أن يوصي أهله بأرجاعه ودفنه في أرضه والأرض أرض الله والبلاد بلاد الله. وقد مدحه شعراء الأتراك في أشعارهم وهذا شيخ الإسلام أسعد أفندي يشير إشارة لامحة إلى موقعه بقوله:

شهد المشاهد جاهدًا ومجاهدًا        ومكابـدًا بحروبه مـا كابدا

حتى أتـى بصلابة ومهـابة        في آخر الغزوات هذا المشهدا

قد مات مبطونًا غريبًا غازيا        فغدا شهيداً قبل أن يستشهدا

        كان أبو أيوب -رضي الله عنه- عندما خرج في غزوة الفسطنطينية قد تقدمت به السن وأصبح شيخًا كبيرًا، وكان يقول: قال الله تعالى: "انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا..." [التوبة:41] لأجدني إلا خفيفًا أو ثقيلاً. وكان أبو أيوب -رضي الله عنه- يعلم الناس الفهم الصحيح لآيات الله ومفاهيم الإسلام؛ فعن أبي عمران التجيبي قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ـ يعني الجماعة الذين غزو من المدينة ـ والروم ملصقوا ظهورهم بحائط القسطنطينية، فحمل رجل على العدو فقال الناس مه، مه لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة: فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما نصر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- وأظهر الإسلام قلنا: هلمَّ نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى: "وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ" [البقرة: 195] فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد قال أبو عمران، فلم يزال أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية، فهذا الحديث يبين لنا خطورة الاشتغال بالأموال عن الجهاد في سبيل الله تعالى، وإن الهلاك الحقيقي هو هلاك الآخرة بسبب التهاون في واجبات الإسلام.

خامسًا: الحصار الثاني للقسطنطينية:
        استطاع معاوية -رضي الله عنه- أن يضيق الخناق على الدولة البيزنطية بالحملات المستمرة والاستيلاء على جزر رودس وأرواد اللتين سبقت الإشارة إليهما، وقد كان لجزيرة أرواد والتي تسميها المصادر الأوربية كزيكوس أهمية خاصة لقربها من القسطنطينية، حيث اتخذ منها الأسطول الإسلامي في حصاره الثاني للمدينة أو حرب السنين السبع 54 ـ 60هـ قاعدة لعملياته الحربية، وذلك أن معاوية أعد أسطولاً ضخمًا، وأرسله ثانية لحصار القسطنطينية، وظل مرابطًا أمام أسوارها من سنة 54هـ إلى سنة 60هـ، فكانت الأساطيل تنقل الجنود من هذه الجزيرة إلى البر لمحاصرة أسوار القسطنطينية على حين يكمل الأسطول الحصار، واستمر الحصار البري والبحري للقسطنطينية من شهر أبريل إلى سبتمبر، تتخلله مناوشات بين أساطيل المسلمين وجنود البيزنطيين من الصباح إلى المساء، على حين تتراشق القوات البرية الإسلامية مع الجند البيزنطي المرابط على أسوار القسطنطينية بالقذائف والسهام، استمر هذا الوضع طيلة سبع سنوات، حتى أرهقت البيزنطيين، وأذاقتهم ألوان الضنك والخوف، وأنزلت بهم خسائر فادحة، وبالرغم من كل ذلك لم تستطع اقتحام المدينة أو التغلب على حراسها المدافعين عن أسوارها، وكانت العوامل التي ساعدت القسطنطينية على الصمود عديدة منها:

أولاً: استعمال البيزنطيين في هذه المعارك نارًا سموها النار البحرية أو النار الأغريقية، وهو عبارة عن مركب كيمائي مكون من النفط والكبريت، القار، وكان هذا المركب يشعل بالنار وتقذف به المراكب فيشعل فيه النار، والعجيب أنه كان يزداد اشتعالاً إذا لامس الماء، ومخترع هذا المركب الكيميائي الفتاك الذي فتك بالعديد من سفن المسلمين وجنودهم هو مهندس سوري الأصل اسمه كالينكوس، كان في أوائل الأمر في خدمة المسلمين ثم هرب إلى القسطنطينية، ووضع خبرته في خدمة البيزنطيين.

        وكان هذا السلاح الجديد من أهم العوامل التي ساعدت البيزنطيين على الصمود، والاستمرار في الدفاع عن العاصمة وظل هذا السلاح سرًا خفيًا، لا يعرفه إلا المتخصصون في صناعته، وكان الأباطرة يمدون حلفاءهم بهذا السلاح دون أن يطلعوهم على سره، ومرت أربعة قرون، وهو سلاح غامض لم يعرف كنهه سوى مخترعه، وفي القرن العاشر المسيحي، الرابع الهجري، عرف الباحثون سر هذه النار، وبينوا العناصر التي تكونت منها، والوسائل التي يمكن إخمادها بها، وتطور هذا السلاح حتى كان منه ما يشبه المفرقعات، وكانت تلقى على الأعداء بواسطة المجانيق، أو أنابيب نحاسية تقذف من السفن، وكان لها صوت مدو يصحبه دخان كثيف مسبوق بلهب خاطف، وشغل هذا الاختراع عقول العلماء المسلمين، فراحوا يبحثون ويفكرون، حتى عرفوا سره في مطلع القرن الحادي عشر المسيحي، الخامس الهجري، وأدخلوا عليه تعديلات جعلته أشد فتكًا، وأقوى أشرًا من النار الأغريقية، واستخدم المسلمون هذا السلاح الفتاك في حروبهم مع الصليبيين بأرض الشام، وكان وقعه شديدًا على الصليبيين، ونشر فيهم الرعب والفزع، ومن ذلك الحين عرفت هذه النار "بالنار الإسلامية"، يقول الدكتور إبراهيم العدوي: لأن الأعداء عجزوا عن معرفة هذا السلاح الجديد الذي احتضنه المسلمون، وظل استخدام النار الإسلامية سائد حتى القرن الرابع عشر المسيحي، الثامن الهجري حيث دخلت عليها تطورات وتعديلات كثيرة، أدت أخيرًا إلى صناعة البارود.

        ومن ثم تعتبر النار الإسلامية أساس هذا الانقلاب الخطير في أساليب الحرب التي عرفها العالم الحديث، وبرهن المسلمون على أنهم لا يقفون مكتوفي الأيدي أمام أي سلاح جديد يفاجئهم به الأعداء، وأنهم قادرون على استغلاله فيما بعد لما فيه صالحهم ونفعهم. ونسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين لا يجاد حل للتفوق العسكري الأمريكي والغربي عليهم.

ثانيًا: السلسلة الحديدية الضخمة الحاجزة ما بين القرن الذهبي ميناء القسطنطينية وبين الشاطئ الآسيوي، حيث كان يتم إقفالها في حالات الحرب أو التهديد بالحصار.

ثالثًا: الموقع الجغرافي في الفريد الذي وصفه المؤرخ بينز بأنه "استقر على شبه الجزيرة البارز من أوروبة، والذي يكاد يلاقي الشاطئ الآسيوي وفي وسط الطريق بين الحدود الشمالية والشرقية في بقعة يحميها مدّ مرمرة العنيف من الهجمات البحرية".

رابعًا: الأسوار الداخلية والخارجية الضخمة والمزوّدة بعدد كبير من أبراج المراقبة التي كان لها دور في كشف التحركات المعادية وإبطال عنصر المفاجأة فيها.

خامسًا: ضعف التجربة الأموية في حرب الحصار للمدن المتداخلة مع مياه البحر مثل القسطنطينية، حيث تطلب ذلك أسلحة متطورة بأساليب جديدة في القتال، لم تكن في متناول القوات الأموية حتى ذلك الحين.

سادسًا: دبلوماسية الدولة البيزنطية والإسلامية: لقد تظاهرت عدة عوامل ساهمت في منع سقوط القسطنطينية منها، مناعة المدينة الطبيعية وقوة تحصيناتها، والنار الإغريقية، ورداءة الطقس وقسوته، والتيارات المائية الشديدة الانحدار الآتية من البحر الأسود لتحول دون استيلاء المسلمين على المدينة، رغم صبرهم وبسالتهم وتحملهم المشاق، وفي النهاية دعت الظروف الداخلية في كل من الدولتين إلى إنهاء الحصار، فدخلوا في مفاوضات انتهت بعقد صلح بينهما، عاد بمقتضاه الجيش الإسلامي والأسطول إلى الشام.

        ففيما يتعلق بالدولة الأموية أدرك معاوية أن مدة الحصار قد طالت دون أن يتحقق الهدف، ولما كانت سنّه قد كبرت، وأحس بدنو أجله، رأى من المصلحة أن يعود هذا الجيش الكبير المرابط حول المدينة تحسبًا لأي مشاكل قد تواجه ابنه وخليفته يزيد بعد موته، فيكون وجود هذا الجيش عنده ضروريًا لضبط الأمور داخليًا، كذلك كانت الدولة البيزنطية تواقة إلى إنهاء هذا الحصار عن عاصمتها، فقد أرهقها وأنهك قواها، ولذلك يقال: إنها أرسلت إلى دمشق رجلاً يدعى يوحنا من أشهر رجالها الدبلوماسيين، وأكثرهم ذكاء وفطنة، وحضر هذا الرجل جلسات كثيرة تضم خيرة أبناء البيت الأموي، وأبدى فيها من الإجلال للدولة الإسلامية، ما أكسبه تقدير معاوية واحترامه، ونجحت مفاوضاته في عقد صلح بين الطرفين، وبعد إبرام المعاهدة أخذت القوات الإسلامية المرابطة برًا وبحرًا أمام القسطنطينية طريق العودة إلى الشام، وتركت عاصمة البيزنطيين تئن من جراحها المثخنة.

سادسًا: العلاقات السلمية بين الدولتين:
        رغم أن الطابع العام الذي ميز العلاقات بين الدولة الإسلامية والبيزنطية في عصر الخلافة الراشدة والعصر الأموي كان عسكريًا نتيجة لحركة الجهاد، واستمرارها في العهد الأموي من حملات الصوائف والشواتي طوال السنة تقريبًا، وكذلك الدور الجهادي الذي كانت تؤديه مدن الثغور، إلا أن هذا لا يعني أن الطابع السلمي المتمثل فيما جرى من مفاوضات ومداولات كان مفقودًا، فقد اتخذت العلاقات السلمية بين الدولتين الإسلامية والبيزنطية في العهد الأموي أشكالاً مختلفة منها المراسلات، وتبادل الخبرات، والمناظرات في المجالات الثقافية، وتبادل الأسرى والسفراء.

أولاً: المراسلات:
        فقد تم مراسلة قيصر الروم من قبل معاوية في فترة الفتنة، وتوصل معه إلى عقد صلح على أن يؤدي معاوية له مالاً، وأن يأخذ كل طرف رهنًا من الطرف الآخر، وارتهن معاوية منهم رهناء فوضعهم ببعلبك، ثم إن الروم غدرت فلم يستحل معاوية والمسلمون قتل من في أيديهم من رهنهم، وخلوا سبيلهم وقالوا: وفاء بغدر خير من غدر بغدر ، والمهم أن مثل هذه الحوادث يجب أن تُقدَّر بقدرها فلا يجوز للدولة الإسلامية ـفي الأصل ـ أن تتهاون وتتكاسل عن الأخذ بأسباب القوة حتى تصل إلى مرحلة من الضعف تمكّن الأعداء منها أو يطمع فيها الطامعون، بل الأصل في دولة الإسلام أن تكون دولة قوية يهابها الأعداء، فإذا مرت بها فترة ضعف أو احتاجت إلى دفع ضرر عليها بمال أو نحوه فذلك يدخل من باب الضرورات، وليس حكمًا عامًا وما أبيح للضرورة يُقدّر بقدرها، كما قرر الفقهاء، فلا ينبغي عقد صلح دائم مع العدو بدفع المال إليه، بل يجب أن يكون الصلح والدفع لفترة ضعف المسلمين أو حالة الضرورة، مع العمل الجاد على رفع حالة الضعف وبناء قوة الأمة وقدراتها المطلوبة بكل جدية وعزم، فإذا زالت يجب على المسلمين أن يمتنعوا من عقد أي معاهدة فيها ذلة أو مفسدة لهم، والخلاصة: إنه يجوز للدولة الإسلامية عقد معاهدة اضطرارية تُقدّر بقدرها، وتنتهي بانتهاء حالة الضرورة التي عُقدت من أجلها.

        لم تقتصر المراسلات على الجانب العسكري فقط، ولكن رويت بعض المراسلات التي تتناول المناظرة في الجوانب العلمية والأمور العامة؛ فقد كتب قيصر الروم إلى معاوية: سلام عليك أما بعد: فانبئني بأحب كلمة إلي الله وثانية وثالثة ورابعة وخامسة وعن أربعة أشياء، فيهن روح ولم يرتكضن في رحم، وعن قبر يسير صاحبه، ومكان في الأرض لن تصبه الشمس إلا مرة واحدة وغير ذلك من الأسئلة، فكتب إليه معاوية: أما أحب كلمة إلى الله، فلا إله إلا الله لا يقبل عملاً إلآ بها، وهي المنجية، والثانية سبحان الله صلاة الخلق، والثالثة الحمد لله كلمة الشكر، والرابعة الله أكبر، فواتح الصلوات والركوع والسجود، والخامسة لا حول ولا قوة إلا بالله. والأربعة فيهن روح ولم يرتكضن في رحم فآدم، وحواء وعصا موسى، والكبش. والموضع الذي لم تصله شمس إلا مرة واحدة، فالبحر حين انفلق لموسى وبني إسرائيل، والقبر الذي سار بصاحبه، فبطن الحوت الذي كان فيه يونس.

ثانيًا: تبادل الخبرات:
        وفي مجال تبادل الخبرات حاول كل من العرب والروم الاستفادة من خبرات الطرف الثاني في مجالات الحياة كافة، معتمدين على الاقتباس تارة، والإبداع تارة أخرى، على أن ما أخذه المسلمين من الروم في هذا المجال لم يكن مجرد اقتباس، بل طور كثيرًا بأن أضيف إليه أحيانًا وشذب في أحيان أخرى، حتى أصبح يتماشى مع روح الدين الإسلامي، ويتمثل ذلك في معالم النهضة العمرانية المتمثلة في اهتمام الأمويين بالمساجد، والتوسع في إقامتها، وقد استخدم معاوية عددًا من الروم ممن كانوا في الإدارة البيزنطية في بلاد الشام قبل فتحها كتّابًا في الأمور الإدارية، حيث عين سرجون بن منصور الرومي كاتبًا له، كما استخدم بن اثال النصراني طبيبًا له.

        وكان معاوية -رضي الله عنه- متسامحًا مع النصارى حتى شهد له بروكلمان بهذا التسامح: واختلطوا بالمسيحية اختلاطًا بعيدًا... وفي بلاط معاوية لعب سرجون بن منصور النصراني دور المستشار المالي المتنفذ وحفظ النصارى للخليفة معاوية هذا التسامح واخلصوا له، وأعظموه إعظامًا، لاتزال تقع عليه في الروايات النصرانية، وحتى في كتب التاريخ الأسبانية.

ثالثًا: تأثر الدولة البيزنطية بالتسامح الإسلامي:
        يذكر العدوي أن انعكاس التسامح الديني مع النصارى ظهر تأثيره على الدولة البيزنطية، إذ من المعروف إنها كانت تضظهد رعاياها من أصحاب المذاهب الأخرى، وتعاملهم معاملة قاسية وتعتبرهم هراطقة، وبظهور دولة الإسلام، ودخول كثير من المسيحيين في التبعية لها، اتجهت الإمبراطورية البيزنطية إلى تجديد أساليبها وسياستها، وجعلت من نفسها صاحبة الحق في رعاية المسيحيين في بلاد الشام، وكان معاوية -رضي الله عنه- يجلس إلى جماعات المسيحيين من المذاهب المختلفة ويستمع إلى جدلهم الديني ومناقشاتهم المختلفة، وبهذا ضربت الدولة الإسلامية الأموية مثلاً ساميًا، يدل على عظمة الرسالة الإسلامية، ومدى التسامح الديني تجاه رعاياها من غير المسلمين، وابتعادها عن التعنت والتعصب الديني الذي يتهمهم به قسم من المستشرقين.

رابعًا: آداب السفراء:
        لم يكن نظام الموفدين والسفراء مقتصرًا على العهد الأموي، بل له امتداداته من عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين، فكان السفير يختار وفق مواصفات خاصة تتمثل في قوة شخصيته ونباهته ورجاحة عقله، وكان السفير من كلتا الدولتين، يزود بخطاب يحمل تعريفًا بشخصية الرسول، والغرض من رسالته، وتخويله حق التحدث رسميًا باسم دولته.

        ولم يكن الموفدون والسفراء مدار اهتمام الدولة الإسلامية الأموية فقط، بل اهتم الروم كذلك بسفرائهم أيضًا، فكانوا يختارونهم من رجال الدين الدهاة العارفين بأمور دينهم وأصحاب قدرة على النقاش والجدال، فصيحي اللسان، عارفين بالعربية إضافة إلى لغتهم الأصلية، وكان الخلفاء والملوك يهتمون بالسفراء والمبعوثين، ويستقبلون في قصور الخلفاء، وتسمع آراؤهم فيها، فحين سأل معاوية رسول البيزنطيين، بعد أن فرغ من بناء قصره المعروف بالخضراء، أبدى عليه ملاحظاته قائلاً: أما أعلاه فللعصافير، وأما أسفله فللفار، وعندما أدرك معاوية صحة انتقاد السفير وصواب رأيه، جعله يعيد بناء قصره بالحجارة.

        وأما البيزنطيون فكانوا يستقبلون السفراء العرب في كنيسة أيا صوفيا وقناطير المياه والأديرة حول القسطنطينية، وعند رجوع السفير كانت تقدم له الهدايا والمجوهرات الثمينة إكرامًا له ولمن بعثه، ويبدو أن الهدف من وراء ذلك عند كلتا الدولتين، هو إظهار صيغ الاحترام المتبادل والنيات الحسنة في إقامة الصلح وإنابة السلام، وكذلك إظهار كل دولة للأخرى مدى قوتها ورخائها، كي تكون محط أنظار السفير ومهابته من أجل وصف ما يشاهده إلى من بعثه عند رجوعه إليه.

        ورغم ما أشير إليه من الصفات التي يجب توفرها في السفير، إلا أنه يبقى محط أنظار الخليفة أو الملك، وتراقب تصرفاته وحركاته خشية الوشاية والكيد وإشعال نار الحرب، وهذا ما حدث مع سفير معاوية إلى القسطنطينية الذي أرسل لعقد هدنة مع الروم، وكان السفير مزود بتعليمات مشددة تقتضي ألا يخفف من شروط الهدنة مع البيزنطيين، ولكن لم يستطع هذا السفير تنفيذ وصية معاوية وتهاون في عقد الهدنة حتى جاءت في صالح البيزنطيين، فلما عاد عزله من منصبه.
==========
أضف تعليقاً
* الإسم
* البريد الإلكتروني
* عنوان التعليق
* التعليق
* سؤال حسابي 9 + 7
* حقول ضرورية

رمضان - 1426هـ أكتوبر 2005 م
ما يكتب أو ينشر يعبر فقط عن رأي الكاتب وليس علي الموقع أدني مسئولية قانونية